الغزالي
63
إحياء علوم الدين
الفائدة الأولى التفرغ للعبادة والفكر ، والاستئناس بمناجاة الله تعالى عن مناجاة الخلق ، والاشتغال باستكشاف أسرار الله تعالى في أمر الدنيا والآخرة ، وملكوت السماوات والأرض ، فإن ذلك يستدعى فراغا ، ولا فراغ مع المخالطة . فالعزلة وسيلة إليه . ولهذا قال بعض الحكماء لا يتمكن أحد من الخلوة إلا بالتمسك بكتاب الله تعالى والمتمسكون بكتاب الله تعالى هم الذين استراحوا من الدنيا بذكر الله ، الذاكرون الله باللَّه ، عاشوا بذكر الله ، وماتوا بذكر الله ولقوا الله بذكر الله . ولا شك في أن هؤلاء تمنعهم المخالطة عن الفكر والذكر ، فالعزلة أولى بهم . ولذلك كان صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] في ابتداء أمره يتبتل في جبل حراء ، وينعزل إليه ، حتى قوي فيه نور النبوة ، فكان الخلق لا يحجبونه عن الله ، فكان ببدنه مع الخلق وبقلبه مقبلا على الله تعالى ، حتى كان الناس يظنون أن أبا بكر خليله ، فأخبر النبي صلَّى الله عليه وسلم عن استغراق همه باللَّه فقال [ 2 ] « لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا ولكنّ صاحبكم خليل الله » ولن يسع الجمع بين مخالطة الناس ظاهرا ، والإقبال على الله سرا ، إلا قوة النبوة . فلا ينبغي أن يغتر كل ضعيف بنفسه فيطمع في ذلك ولا يبعد أن تنتهي درجة بعض الأولياء إليه . فقد نقل عن الجنيد أنه قال : أنا أكلم الله منذ ثلاثين سنة ، والناس يظنون أنى أكلمهم . وهذا إنما يتيسر للمستغرق بحب الله استغراقا لا يبقى لغيره فيه متسع . وذلك غير منكر . ففي المشتهرين بحب الخلق ، من يخالط الناس ببدنه ، وهو لا يدرى ما يقول ، ولا ما يقال له ، لفرط عشقه لمحبوبه ، بل الذي دهاه مسلَّم يشوش عليه أمرا من أمور دنياه ، فقد يستغرقه لهم بحيث يخالط الناس ولا يحس بهم